jump to navigation

التَّنظير لمرحلة ما بعد الحرب الباردة؛ المحاورة الثالثة 23/10/2011

Posted by GUESSOUM salim in نظرية العلاقات الدولية.
add a comment

التَّنظير لمرحلة ما بعد الحرب الباردة؛ المحاورة الثالثة

إن المقاربات المعارضة للنهج الواقعي قد بعثت حوارا جديدا في حقل العلاقات الدولية ارتكز على التساؤل الذي واجهته العلوم الاجتماعية من قبل ومفاده:

“هل المعرفة العلمية ممكنة في حقل العلاقات الدولية؟”

بحسب “يوسف لبيد”Yosef Lapid،فالمنظرون الدوليون انخرطوا في “المحاورة الثالثة من المحاورات المُعَرِّفَة للحقل” Third discipline defining debate ،أين شكلت المسائل الميتانظرية حول طبيعة التفكير والتنظير وتراكم المعرفة وكيف يمكن لحقل معرفي أن يبني نفسه مركز اهتمام الباحثين والمنظرين.

بداية، لفهم دلالات المحاورة الثالثة في نظرية العلاقات الدولية لا بد من وضعها في سياقها؛ فالمحاورة المعاصرة التي ابتدأت منذ 1980 يمكن رؤيتها على أنها الثالثة من سلسلة المحاورات المعرفة للحقل في القرن العشرين. فالأولى كانت بين المثاليين والواقعيين إبان الأربعينيات و الخمسينيات، في حين سادت الثانية فترة الستينيات والسبعينيات أين تمركزت حول الصراع بين التاريخHistory والعلم Science أو بين التقليديين والسلوكيين (Traditionalist vs Behaviorist).

و يمكن القول أن المحاورة الثالثة قد جسدت التطور المعاصر في واقع النظرية السياسية والاجتماعية.

“إنها تنظر إلى الادعاء بأن العلاقات الدولية مجال مميز من الفعل والخطاب ومنفصل عن النظرية السياسية والاجتماعية لا يمكن أن يصمد لفترة أطول (…) باختصار، يمكن فهم ظهور المحاورة الثالثة على أنها استجابة نظرية العلاقات الدولية للتطورات المعاصرة في النظرية السياسية والاجتماعية بشكل عام وفي فلسفة المعرفة بشكل خاص”.

من هذا المنطلق، تبقى المحاورة الثالثة كغيرها من المحاورات السابقة جزء من البحث عن “أفضل نظرية”، فهي كما يقول “بانكس”Banks

“خطاب حول اختيار الأطر التحليلية”

وقد ارتبطت كما يرى “يوسف لبيد” Yosef Lapid  تاريخيا وفكريا بمجمع من مختلف الاتجاهات الفلسفية و الاجتماعية ذات النزعة مابعد الوضعية.

  • §      الوضعية/ما بعد الوضعية:

يمكن تعريف الفلسفة الوضعية بشكل أشمل كما يرى “ستيف سميث”Steve Smith على أنها وجهة نظر تحدد كيفية إنشاء معرفة تعتمد على أربع فرضيات رئيسة:

  • الاعتقاد بوحدة العلم: أي أن المنهجيات نفسها يمكن تطبيقها في كل من العوالم العلمية وغير العلمية؛
  • أن هناك فرقا بين الحقائق والقيم: فالحقائق حيادية بين النظريات المختلفة؛
  • أن العالَم الاجتماعي شأنه في ذلك شأن العالَم الطبيعي يحتوي على أنماط منتظمة يمكن اكتشافها بواسطة نظرياتنا بطريقة العلم نفسها في بحثه عن الأنماط المنتظمة في الطبيعة؛
  • أن تحديد حقيقة المقولات يتم عن طريق العودة إلى هذه الحقائق الحيادية، وهذا ما يسمى بنظرية المعرفة التجريبية  Empiricist Epistemology  .

وعليه، فالمقاربات الوضعية أو العقلانية Rationalist بمصطلح “كيوهان”Keohane – والتي تضم بالأخص الواقعيين الجدد/الليبراليين الجدد/الماركسيين الجدد (…)- تشترك في هذه الافتراضات .أما بالنسبة للمنظرين النقديين أو التأمليين Reflectivist من “أنطونيو غرامشي”Antonio Gramsci ومدرسة فرانكفورت إلى ما بعد الحداثة المستندة لأعمال “ميشيل فوكو” Michel Foucault و”جاك دريدا” Jacques Derrida مرورا بالمقاربات النسوية

“فالحقيقة لا توجد خارج النظرية ،فهذه الأخيرة تشارك وتدخل في بناء/إعادة بناء وتشكيل /إعادة تشكيل الحقيقة المدروسة.”

أي أنها كما يرى “ستيف سميث”Steve Smith

” تحدد لنا ما نراه على أنه العالم الخارجي، وهكذا فإن المفاهيم نفسها التي نستخدمها للتفكير بالعالم تساعد على أن تجعل العالم ما هو عليه الآن.”

وفقا لـ”كين بوث”Ken Booth فالصورة التقليدية للوضعية في العلاقات الدولية تتجسد في محاولة وضع المسائل – كالإندماج الأوروبي، أزمة الصواريخ الكوبية، سلوك السياسة الخارجية، الأمن وغيرها – تحت مجاهر العلوم الاجتماعية. و بالتالي تسعى إلى أن تصف وتشرح الظواهر بالرؤية و النظر. و عليه فمسلمة هذه المقاربة هي أن:

“تصوراتنا حول الأمن تأتي من التغيرات الحاصلة ‘ هناك ‘ Out there (في البيئة) أين العالم الحقيقي للشؤون الدولية، أكثر منه ‘ هنا ‘ In there أي في ذهن المحلل”.

من المهم جدا التفريق بين التجريبية  Empiricism و الوضعية Positivist ؛فالأولى تقدم قبل كل شيء ابستيمولوجيا مؤسَّسة على فكرة أن التجربة L’expérience هي المصدر الوحيد للمعرفة. لكن الوضعية تذهب إلى أبعد من ذلك، وتطمح إلى أن تكون “قاعدة لعلم حقيقي للعلاقات الدولية”.

مع اشتراكها في التصور التجريبي للتراكم المعرفي، تتضمن الوضعية أيضا مقاربة منهجية تركز على منهج العلوم الطبيعية، وبالخصوص على وضع فروض قابلة للتحقق من صحتها أو زيفها امبريقيا. كما تنطوي على المنهج الاستقرائي وبناء نظريات عامة أو تفسيرات ذات مدى عام .أما مستواها الأنطولوجي فينتهي عند ماهو منظور Observable سواء ماديا أو بالإستنتاج والاستدلال.

بالإضافة إلى ذلك، فإن فكرة “الحقيقة كتناظر أو توافق”Truth as correspondance اعتمدت كواحدة من أهم المعتقدات في التقليد الوضعي عبر تاريخه الطويل من”أوغست كونت”August Comte إلى حلقة فيِّنا، وصولا إلى التعديل المعاصر للوضعية من طرف “كارل بوبر” Karl Popper وبالأخص تلميذه “ايمر لاكاتوس” Imere Lakatos

فالوضعية تشترط أنَّ تفسيراتها النظرية تكون صحيحة بالقدر الذي تعكس فيه الحقيقة بدقة، أي بالمدى الذي توافق وتناظر فيه الأحداث. هذا المذهب يرتكز بالأساس على الفصل بين الذات والموضوع أو بين الملاحِظ والملاحَظ. وبالتالي فهو تعبير عن محاولة جعل العلم “كعملية من غير ذات”Process without subject

بهذا المنطق، تغفل المقاربة الوضعية الدور النشط والحيوي الذي تؤديه “الجماعة العلمية”(مجموعة الباحثين) في إنتاج وتأكيد المعرفة. كما تهمل حقيقة أن المعايير المحددة لمصداقية المعرفة متصلة وتابعة لقبولها وتطبيقها من طرف هذه الجماعة.

على صعيد آخر، فإن المقاربات البديلة التأملية التي سنحت لحقل العلاقات الدولية أن يلج “العصر ما بعد الوضعي” لا تُكَوِّنُ في مجموعها نظرية واحدة للتأملية،

“فهي تختلف بشكل جذري في رؤيتها لبناء المعرفة. إن كلا من هذه النظريات هي بطريقتها الخاصة نظريات مابعد وضعية ولكن بأساليب مختلفة (…).وباختصار، فإن التفسيرات التأملية تلتقي بما ترفضه من أمور أكثر مما تلتقي بما تقبل به”

فبداية :

  • مقاربتها النظرية العامة هي جزء من النظريات التكوينية الرافضة للفصل بين الذات والموضوع؛
  • كما أنها أنطولوجيا، تتساءل عن الفصل الدقيق بين الداخلي و الخارجي، وترفض مفهوم الفاعل العقلاني بمعنى الفاعل الذي يتصرف بمصطلحات العقل الأداتي المؤسَّس حصرا على حساب التكاليف والفوائد التي يُحصِّلها فعل أو تصرف معين؛
  • أغلبهم يفضلون الحديث عن سياسة شاملة Politique Globale بدلا عن علاقات دولية، لإظهار رؤيتهم المتضمنة للعلاقات بين الفواعل المختلفة على المسرح الدولي؛
  • الأكثر أهمية، هو أن أصحاب النزعة ما بعد الوضعية يشتركون في تصورهم للحقيقة “كبناء اجتماعي”Construction Sociale ؛ بمعنى أن البيانات والمعطيات الثابتة واللاإشكالية المهمة في النموذج الأنطولوجي للمقاربات الوضعية ليست سوى “وهما” جعلنا نعتقد بأنها تتعلق بالنظام الطبيعي. فالبناء الاجتماعي على العكس يوضح أن هذا النظام الطبيعي غير موجود، لأن الأفراد هم الذين يتخيلونه على هذا النحو؛
  • النظريات ما بعد الوضعية ذات نزعة معيارية ؛فالمعيارية أو التأملية في جوهر كل المقاربات المابعد وضعية لأنها تمنحنا معرفة بأنه يجب مساءلة وجود حتى الأنماط الموضوعية لتقييم الادعاءات المعرفية المتنافسة .كما تطرح في الحقيقة السؤال حول إمكانية حتى مقارنة النظريات.
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 59 other followers

%d bloggers like this: